[ad_1]
سافر عبدالمغيث ذات يوم إلى دولة بعيدة، دعاه الحنين الثقافي واندفاع الطموح الجمعوي للمشاركة في منتدى دولي حول التراث. في القاعة الكبرى المزيّنة بالأعلام، تجوّل عبدالمغيث بين الوفود، صافح سفيراً، التقط صورة مع وزير، وتبادل بضع كلمات مع مدير منظمة دولية لا يعرف اسمه. لكنه لم يتردد في تصوير اللحظة، وتأطيرها بلغة بروتوكولية رنانة.
كل صورة كانت تتحول، بعد دقائق، إلى منشور رسمي، مصحوب بجمل من قبيل: لقاء ثنائي مثمر مع سعادة السفير قصد بحث سبل التعاون المشترك، أو محادثات هادفة مع ممثلي دولة كذا لتقوية علاقات التعاون في مجال التراث اللامادي. لم تكن المنشورات على حسابه الشخصي فقط، بل على صفحة اتحاد جمعيات المحافظة على التراث الذي مثّله هناك، وكأنه ناطق رسمي باسم التعاون الدولي غير الحكومي.
سُحرت التعليقات، وتعالت الإشادات: هنيئاً، رفعتم الرأس، أنت فخر التراث المغربي. بدا كما لو أن عبدالمغيث عقد اتفاقيات، وفتح آفاقاً جديدة، وأسس قاعدة شراكات استراتيجية مع القوى الدولية الكبرى في عالم التراث.
لكن القصة أخذت منعطفاً مثيراً بعد عودته. أصدقاء عبدالمغيث، مدفوعون بالفضول أو الشك، قرروا البحث عن آثار هذه اللقاءات في الصفحات الرسمية للطرف الآخر. قلبوا صفحات الوزارات، السفارات، المعاهد، البلديات، والجهات الأجنبية. النتيجة؟ صمت تام. لا صور، لا منشورات، لا بلاغات. لا أحد في العالم يبدو أنه يعرف عبدالمغيث أو جلس معه فعلاً.
كانت الصور، كما يقول المغاربة، “غير طلقها تسرح”. جلس مع الناس، التقط صورة، وخلق من تعبيرات مجاملة عابرة مضموناً دبلوماسياً وهمياً. جلس في مقعد على عجل ليوهم أنه في اجتماع مغلق، ثم نشر المنشور بلغة تشبه بلاغات وزارات الخارجية.
لكن الحقيقة أن عبدالمغيث لا يشتغل في الإعلام، ولا في مؤسسة عمومية. هو مجرد ناشط جمعوي مندفع، سقط في فخ الحاجة إلى إثبات الذات وصناعة وهم الإنجاز.
ولم يكن وحده في ذلك. فقد ذكّرني ما فعله عبدالمغيث بما كنا نمارسه كطلبة. كنا نسافر لحضور منتديات، نصافح وفوداً، نتبادل الابتسامات، ونأخذ صوراً نكتب تحتها “لقاء مثمر مع ممثلي الوفد الإيطالي” رغم أن أقصى ما قلناه لهم كان “كسكس موركو” أو “أنا من فاس”، لأن لغتنا الإنجليزية حينها كانت أضعف من حماسنا.
لكننا كبرنا. وفهمنا. واكتشفنا أن اللقاءات الحقيقية تُترجم إلى أوراق، ومذكرات، وإعلانات رسمية مشتركة. علمتنا التجربة أن الحقيقة لا تحتاج إلى عدسات إضافية، بل إلى دليل.
وهنا أصل الحكاية، فكل ما سبق ليس حقيقة بل مجرد خيال أعادني لذكريات الماضي، وماهو إلا مدخلاً لمقالنا الحقيقي حول عمدة طنجة.
بحيث شارك منير ليموري رئيس مجلس جماعة طنجة خلال الفترة ما بين 11 و13 ماي 2025 في منتدى حوار المدن العربية-الأوروبية بالرياض. منتدى مهم، منظم من طرف جهات معتبرة، يضم ممثلين عن كبريات البلديات الأوروبية والعربية.
ما لفت الانتباه ليس المشاركة نفسها، بل حجم التغطية. في أقل من 72 ساعة، نُشرت 8 منشورات على الصفحة الرسمية لجماعة طنجة، كلها تسلط الضوء على مشاركات، لقاءات، صور، تبادلات، مداخلات، وجلسات.
لقاءات مع عمداء مدن: سراييفو، جدة، كوسوفو، أليكانتي، ملقة، غرناطة… كلها وصفت بأنها “ثنائية”، و”مثمرة”، و”استراتيجية”، ودارت حول “آفاق التعاون”، و”التبادل الثقافي”، و”تقنيات الذكاء الاصطناعي”، بل وحتى “بلورة اتفاقيات”.

لكن حين حاولنا أن نبحث كأصدقاء عبدالمغيث في صفحات الجماعات الأخرى، لم نجد أي أثر. لا صورة، لا تعليق، لا خبر صحفي. لم تتحدث بلدية سراييفو عن اللقاء. لم تنشر جدة شيئاً. لا وجود لأي منشور من غرناطة أو ملقة، لا في المواقع الرسمية، ولا في صفحاتها على فيسبوك. وكأن اللقاء لم يكن.
هل يعني هذا أن السيد ليموري نصب علينا؟ بالطبع لا. لا يجوز الاتهام. لكنه، على الأقل، بالغ كثيراً في تقديم نشاط بروتوكولي على أنه اختراق دبلوماسي. فإلى أن نرى إشارات مقابِلة من الجهات التي التقاها، وإلى أن تنشر تلك المؤسسات نفس الصور، أو تؤكد مضمون التعاون، فإن كل ما رأيناه يظل مجرد “كاميرا عقدت وليس اتفاقاً عقد”.

نحن في زمن الذكاء الاصطناعي، والبحث السريع، والشفافية الرقمية. لا يمكن أن تستخف بعقول الناس. لا نحتاج إلا ثلاث دقائق لنفهم إن كان اللقاء تم، وإن كان مثمراً… أم أنه كان فقط مثقلاً بعدسة واسعة الزاوية.
وإلى ذلك الحين، سيظل السؤال معلقاً: هل فعلاً بنينا شراكات جديدة في الرياض؟ أم أننا فقط بنينا معرض صور ليموري في المنتدى؟



[ad_2]
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

