[ad_1]
في خضم الجدل الواسع الذي أثارته صفقة المراحيض العمومية بمدينة طنجة، وتحديدًا بعد الكشف عن كلفة تناهز 200 مليون سنتيم للمرحاض الواحد، بات من الضروري إعادة النقاش إلى سياقه الحقيقي، بعيدًا عن الانفعالات الأولية وردود الفعل الساخطة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي.
السؤال المركزي لم يعد فقط عن الكلفة، بل عن منطقية المشروع، قابليته للاستدامة، وحجم مسؤوليته في معالجة خلل عمراني عمره عقود.
من السهل استحضار صدمة المبلغ، لكن من الصعب تجاهل سجل طويل من الفشل في مشاريع سابقة كلّفت المال العام ولم تترك أثراً.
تجارب متعددة في مدن مغربية، بينها طنجة نفسها، شهدت بناء مراحيض بتكلفة أقل، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مرافق مهجورة، مغلقة، أو مكسّرة، تُركت للصدأ والعفن بفعل غياب الحماية والصيانة. في حالات أخرى، سُرقت تجهيزات أساسية كالصنابير والمرايا، وتحولت هذه المرافق إلى نقاط سوداء بدل أن تكون حلاً لمشكلة مزمنة تمس الصحة والكرامة في آنٍ واحد.
هنا يبرز السؤال الحقيقي: ما الفائدة من بناء مرحاض بـ80 مليون سنتيم إذا كان سيُهمل أو يُتلف بعد أشهر؟ ألا يُعد ذلك تبذيرًا أكبر من استثمار مرحاض بـ200 مليون سنتيم مؤمّن، مصان، ومصمم ليصمد لسنوات؟ التوفير في البداية قد يبدو خيارًا مقبولًا، لكنه في الغالب يتحول إلى عبء مستقبلي حين لا يُراعى عنصر الجودة والدوام.
الصفقة التي أثارت النقاش لا تتعلق بمرحاض تقليدي فحسب، بل بمرفق حضري متكامل يضم نظام تعقيم ذاتي، أبوابًا إلكترونية، تجهيزات مقاومة للتخريب، ربطًا كاملاً بالبنيات التحتية من ماء وكهرباء وتطهير، وصيانة مجانية لمدة سنتين.
إضافة إلى احترامها للمعايير المعمارية المحلية وتوفيرها لولوجية ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي تفاصيل لا ينبغي إسقاطها عند تقييم التكلفة.
أكثر من ذلك، المشروع يفتح آفاقًا جديدة تتجاوز الوظيفة الأساسية للمرفق. فبفضل بنيته المتطورة وموقعه الاستراتيجي، يمكن استغلاله في مجالات ذات مردودية اقتصادية مباشرة، مثل تثبيت شاشات LED للإعلانات، أو توفير خدمات رقمية وتجارية مصغرة. بمعنى آخر، يمكن أن يتحول من نقطة صرف إلى مصدر دخل للجماعة، إذا ما وُضع ضمن رؤية واضحة ومُحكمة.
ولأننا لا نعيش في مدينة فاضلة، فلا بد من الاعتراف بأن جزءًا من المشكلة يكمن في سلوكيات تخريبية طالت مرارًا الممتلكات العمومية، من حدائق إلى إنارة، وصولًا إلى المراحيض. وإذا لم نأخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار خلال تصميم المشاريع الجديدة، فإننا نعيد إنتاج نفس الإخفاقات. أي مشروع عمومي يجب أن يُخطط له بناءً على واقع الساكنة، عقليتها، حاجياتها، وأسلوب تفاعلها مع الفضاء العام، لا فقط على الورق والأرقام.
أنت عزيز القارئ، لو وُضعت يومًا على رأس جماعة طنجة، وخُيرت بين أن تبني مراحيض بـ40 مليون سنتيم لتظهر بطلاً في عيون الرأي العام كمن “كمن وفر المال وحقق الإنجاز”، بينما تعلم في قرارة نفسك أن هذه المراحيض ستتخرب وتُهمل خلال أشهر… وبين أن تُنفذ مشروعًا بتكلفة أعلى لكنه صامد وفعّال ويصمد أمام الزمن والواقع… فماذا كنت ستختار؟ أتبني مجدًا إعلاميًا هشًا، أم تتحمل مسؤولية قرار ثقيل لكنه مستدام وجدير بالثقة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على كل من يخطط للشأن العام… بمنطق المستقبل لا بمنطق اللحظة.
صحيح أن الجماعة مطالبة بالكشف عن كل تفاصيل الصفقة، وتمكين الرأي العام من الاطلاع على دفاتر التحملات والعروض التقنية والمالية، لأن الشفافية واجب لا خيار. لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نحاكم المشاريع فقط من خلال رقمها المالي، بل من خلال مدى استجابتها لحاجيات المدينة، ومستوى صيانتها لاحقًا، ومدى قابليتها للاستدامة والتحول إلى رافعة حضرية لا عبئًا جديدًا.
طنجة مدينة مرشحة لاحتضان تظاهرات دولية وتستقبل آلاف الزوار يوميًا، ولا يُعقل أن تظل المراحيض فيها منعدمة أو في حالة يرثى لها. المشروع الحالي قد يكون مكلفًا في ظاهره، لكنه قد يكون كذلك بداية لتصحيح تراكمات طويلة من التجاهل، والانطلاق نحو مقاربة حضرية تحفظ كرامة المواطن وتعكس صورة حضارية للمدينة.
في نهاية المطاف، المطلوب ليس فقط مرحلة بناء، بل رؤية تنموية قائمة على الجودة، الحماية، المردودية، والاستمرارية. أما تكرار سيناريوهات سابقة من البناء الرخيص ثم الإهمال ثم إعادة البناء، فهو ما يجب أن يُدان قبل أي رقم يُكتب على دفتر تحملات.
ظهرت المقالة هل فعلاً مراحيض بـ200 مليون سنتيم ؟ أولاً على أخبار طنجة.
[ad_2]
طنجة بوست tanjapost – أخبار طنجة : المصدر
