[ad_1]
في كل مرة تعود قضية ناصر الزفزافي، أحد معتقلي حراك الريف على خلفية أحداث أخلت بالأمن والنظام العام، إلى واجهة النقاش الحقوقي، تطفو معها إشكالات أعمق تتجاوز الفرد وتطرح تساؤلات وجودية حول نزاهة المنظومة الحقوقية الوطنية والإقليمية ثم الدولية ذاتها، آخر فصول هذه القصة كان نداء دوليا إنسانيا تطالب فيه منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بالإفراج عن ناصر لأسباب إنسانية، ورغم أن المناداة تستند إلى مبدأ إنساني نبيل، فإنها تثير، في الآن نفسه، أسئلة حرجة حول طبيعة هذا الانحياز الإنساني ومدى اتساقه مع معايير الشمول والحياد التي يُفترض أن ترتكز عليها هذه المنظمات، فمن حيث المبدأ، لا جدال في وجاهة الدافع الإنساني، رعاية أحد الوالدين في مواجهة مرض عضال هو حق إنساني راسخ. فهل يُعقل أن تتجاهله أي دولة تُعلن التزامها بالقيم الأخلاقية الدولية؟ لكن في خضم هذا النداء الإنساني، لا يمكن التغاضي عن الوزن السياسي الكامن في الطريقة التي يُقدم بها الزفزافي، لا كمعتقل فقط، بل كرمز لحراك اجتماعي سياسي يحمل اتهامات موجهة للدولة ومؤسساتها، هنا تتقاطع الرسالة الإنسانية مع خلفية سياسية مشحونة، وهنا بالتحديد يبدأ منسوب الشك في دوافع بعض المنظمات الدولية بالارتفاع، فما يثير الريبة أكثر هو غياب هذا النوع من التضامن عن قضايا أخرى مماثلة، أو حتى أكثر قسوة، على سبيل المثال لا الحصر حالة بوعلام صنصال في الجزائر، صحفي ومفكر يعاني، في صمت، عزلة الاعتقال بتهم مرتبطة بحرية الرأي، دون أن يحظى لا بنداء أممي، ولا حتى بتقرير حقوقي عابر، وهنا تظهر الانتقائية كمشكلة بنيوية، فلماذا تحشد هذه المنظمات الحقوقية طاقاتها في اتجاه دون آخر؟ هل يتعلق الأمر فقط بشخصية المعتقل، أم أن هناك حسابات أخرى جيوسياسية، إعلامية، أو حتى اقتصادية تتحكم في بوصلتها الأخلاقية؟ ولماذا لا تحرك ذات المنظمات ساكنا في حالات تعسف واضحة في دول تعتبر شركاء طاقويين للغرب؟ هل الصمت هنا خيار استراتيجي، أم أخلاقي؟ أين هي الجمعيات الحقوقية من هذه الازدواجية؟ ولماذا لا تنتفض، مثلا، جمعيات جزائرية المتوحدة فوق التراب الجزائري عن قضية بوعلام صنصال؟ وبالمناسبة يفوق عدد الجمعيات التي تعنى بمجال الترافع والدفاع عن حقوق الانسان، ازيد من 1000 هيئة ومع ذلك تلتزم كلها الصمت في مواجهة الاستبداد الحاصل، إن الانطباع العام في المنطقة، سواء في المملكة المغربية أو غيرها، هو أن الدفاع عن حقوق الإنسان من قبل بعض الجمعيات المغربية للدفاع عن حقوق الانسان، لم يعد دائما يتم باسم الإنسان، بل وفق جدول سياسي ضمني يوزع الدعم أو الصمت بحسب قابلية التأثير ومردودية الضغط، الشيء الذي يسهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطنين والهيئات (الحقوقية)، التي يُفترض أن تدافع عن حقوقه بغض النظر عن جنسيته أو بلده، فالدولة التي تُدين، والأخرى التي تبرّأ، لا تحاسبان على أساس المبدأ ذاته، بل على أساس من يملك القدرة على مقاومة الضغط، أو العكس ممن يُراد تطويعه، لذلك، فإن قضية ناصر الزفزافي التي تستعرض فيها بعض الهيئات الحقوقية عضلاتها اللغوية وتقاريرها الانشاءية، تمثل امتحانا صعبا لمصداقية خطابهم الحقوقي الدولي، في حين يمكن اعتبار طلب الإفراج عن ناصر لأسباب إنسانية خطوة نبيلة، لكن ان يرافقها تغاضي نفس المنظمات عن قضايا مشابهة في دول مجاورة، خصوصا حين ترتبط بنفس السياقات السياسية أو الحقوقية، يُفرغ نداءاتها ونضالها من مضمونهما الأخلاقي…
إن أي دفاع انتقائي عن حقوق الإنسان، خاضع للاعتبارات الجيوسياسية أو الإعلامية أو المالية، لا يُقوّي حقوق الإنسان، بل يُضعفها، والأكثر من ذلك يمنح للأنظمة المدافعة عن سيادتها حق التشكيك في كل تقرير، وكل تنديد، بدعوى التحامل والاستهداف السياسي، ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح على المنظمات الدولية ليس لماذا تدافعون عن الزفزافي؟ بل لماذا لا تفعلون الأمر ذاته مع صنصال؟ ومع المئات غيره؟ فإذا كان الإنسان هو المعيار، فإن المعايير المزدوجة هي أكبر خيانة له.
[ad_2]
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر


